تبدأ معظم الأحاديث عن الذكاء الاصطناعي من النموذج، أما المفيد منها فيبدأ من عمل محدد: طلب ينتظر ردًا أطول مما ينبغي، أو تقرير يُعاد بناؤه كل شهر، أو قرار يتوقف على معلومة لا يجدها أحد بسرعة.
هنا يكمن الفرق بين التجربة والقيمة. وموقفنا واضح: قيمة عملية، لا تجارب. فالذكاء الاصطناعي يستحق مكانه حين يعمل داخل عملية حقيقية من عمليات الأعمال، ويستند إلى بيانات موثوقة، ويتصرف ضمن الأدوار ومسارات الاعتماد ذاتها التي يعمل بها الجميع.
ابدأ من العملية لا من النموذج
ننظر إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه سلسلة مترابطة، ويجب أن تصمد كل حلقة فيها:
- عملية الأعمال: العمل الذي ينبغي أن يصبح أسهل أو أسرع أو مبنيًا على معلومات أوفى.
- البيانات الموثوقة: السجلات التي تعتمد عليها هذه العملية، في حالة يثق بها الناس أصلًا.
- الذكاء الاصطناعي والوكلاء الأذكياء: القدرة التي تقرأ وتصوغ وتجيب وتُطلق الإجراءات.
- الأدوار والضوابط: من يحق له فعل ماذا، ومن يعتمد، وما الذي يُسجَّل.
- نتائج الأعمال: النتيجة التي تهمّ المؤسسة فعلًا.
إن تجاوزت الحلقة الأولى، تحوّل المشروع إلى عرض توضيحي يبحث عن استخدام. وإن تجاوزت الثانية، فلن تكون الإجابات جديرة بالثقة. وإن تجاوزت الرابعة، فلن يكون أحد مسؤولًا عمّا يفعله الذكاء الاصطناعي. وحين يتعثر مشروع ذكاء اصطناعي، فابحث عن الحلقة المفقودة قبل أن تبحث في النموذج.
الأتمتة والتعزيز والتسريع
حين تكتمل السلسلة، يساعد الذكاء الاصطناعي عادةً بثلاث طرق:
- الأتمتة للأعمال الروتينية: الخطوات التي تتكرر بالنمط نفسه في كل مرة ولا تحتاج إلى اجتهاد.
- التعزيز لقدرات الأشخاص: مسودة أولى أو ملخّص أو اقتراح يراجعه الشخص ويعدّله ويتحمّل مسؤوليته.
- التسريع لتدفق العمل: عمليات تسليم أقل، وانتظار أقصر بين خطوة وأخرى.
وبلغة الأعمال، يظهر ذلك في أربعة أنواع من الأثر: الوصول إلى الرؤى بسرعة أكبر، وأتمتة الأعمال الروتينية، ودعم اتخاذ قرارات أفضل، وإطلاق إجراءات مترابطة عبر الأنظمة التي تمرّ بها العملية.
الذكاء الاصطناعي بضوابط
المبدأ الذي نطبّقه هو الذكاء الاصطناعي بضوابط: يعمل الذكاء الاصطناعي ضمن الأدوار ومسارات الاعتماد، ويبقى الإنسان مسؤولًا.
قد يبدو هذا قيدًا، لكنه في الواقع ما يتيح للذكاء الاصطناعي دخول العمليات المهمة. فالمسودة التي يعتمدها شخص مسمّى يمكن استخدامها أمام العميل، والإجابة التي تبيّن مصدرها يمكن التحقق منها، والإجراء الذي يتطلب اعتمادًا يترك أثرًا مسجّلًا. الضوابط ليست مكابح للتبنّي، بل شرطه الأول.
كيف يبدو ذلك عمليًا
يُظهر DONOR 360، نظام إدارة علاقات المتبرعين الذي تبنيه ConsultTik وتنفّذه للجمعيات الخيرية، هذا النمط في العمل اليومي:
- الذكاء الاصطناعي يصوغ، والإنسان يعتمد. في صندوق الوارد الموحّد، يُعدّ الذكاء الاصطناعي الردود عبر قنوات مثل البريد الإلكتروني والرسائل النصية وWhatsApp Business، ولا يُرسَل شيء قبل أن يعتمده شخص.
- إجابات مع مراجعها. تجيب ميزة Ask AI عن الأسئلة من البيانات الحيّة وتعرض المراجع التي استندت إليها، ليتحقق المدير من الإجابة بدل أن يأخذها على علّاتها.
- اقتراحات مع أسبابها. في سجل المتبرع، يقترح الذكاء الاصطناعي الطلب الأنسب التالي ويشرح سببه، ويبقى القرار لمسؤول جمع التبرعات.
- صوت صادق. يتحدث وكيل الصوت الذكي بالعربية والإنجليزية، ويُفصح عن كونه افتراضيًا، ويحوّل المتصل إلى أحد أعضاء الفريق عند الطلب.
- لا شيء نهائي من دون إنسان. لا تُطلق حملة النداء العاجل إلا بعد الاعتماد وإدخال مرجع تصريح جمع التبرعات، ولا صرف من دون اعتماد، وتُجمع الموافقات في صندوق واحد مع سجل تدقيق كامل.
ولا يقتصر أيّ من هذه الأنماط على العمل الخيري. ضع العملاء أو الموردين أو الموظفين مكان المتبرعين، وسيصمد التصميم نفسه: يتولى الذكاء الاصطناعي الإعداد، ويتولى الناس الالتزام، ويسجّل النظام من قرّر ماذا.
منظومة Microsoft التي تقف خلف ذلك
لأن السلسلة تمرّ عبر أنظمة الأعمال، فلا بد أن تمرّ التقنية عبرها كذلك. وتتوزع منصات Microsoft التي نعمل بها على حلقات السلسلة بصورة طبيعية: Dynamics 365 وPower Platform حيث تعيش العمليات والسجلات، وMicrosoft Fabric لبيانات يثق بها الناس، وCopilot Studio وMicrosoft Foundry للمساعدات الذكية والوكلاء، وAzure للسحابة والحوكمة من تحتها جميعًا.
والبناء على المنصات التي تملكها المؤسسة أصلًا يتيح للذكاء الاصطناعي أن يعمل مع نموذج الأمان والأدوار وإمكانات التدقيق القائمة، بدل أن يخلق عالمًا موازيًا بقواعده الخاصة.
من أين تبدأ
بالنسبة إلى المؤسسات في دول الخليج، تكون الخطوة الأولى العملية صغيرة ومحددة:
- اختر عملية واحدة يظهر فيها الانتظار أو إعادة الإدخال أو البحث كل أسبوع.
- افحص البيانات التي تعتمد عليها هذه العملية، وأصلح ما لا يثق به الناس.
- حدّد الأدوار: ما الذي يصوغه الذكاء الاصطناعي، وما الذي يجب أن يعتمده شخص، وما الذي يُسجَّل.
- اتفق مع فريقك على الطريقة التي ستعرف بها أن النتيجة تحققت، قبل أن تبني أي شيء.
ثم ابنِ أصغر نسخة تعمل داخل العملية الحقيقية، مع تفعيل الضوابط منذ اليوم الأول. قد يبدو هذا الطريق أبطأ، لكنه لا يضطرك لاحقًا إلى إعادة البناء كي تكسب الثقة.